قراءة في كتاب : الحاجيات الاصطناعية


\
مقدمة:في ظل التدهور الشامل للبيئة وانتشار فيروس كوفيد 19، وهيمنة النزعةالاستهلاكية التي تؤججها شركات الإشهار الرأسمال...
Hassan Saib
Hassan Saib


مقدمة:في ظل التدهور الشامل للبيئة وانتشار فيروس كوفيد 19، وهيمنة النزعةالاستهلاكية التي تؤججها شركات الإشهار الرأسمالية التي تسعى إلى تنميط السلوك البشري بما يلائم سعيها الحتيت على جني الأرباح بغض النظر عن سقوط الأرواح، صدر هذا الكتاب السنة الماضية، مؤلفه عالم اجتماع ماركسي من جنسية سويسرية Ramzig Keutchyan، وأستاذ لعلم الاجتماع بجامعة بوردو، وناشط سياسي في حركة اليسار الجذري ، يستهل مقدمة الكتاب بهذه القولة لماركس العميقة الدلالة:" الثورة الراديكالية يمكن أن تكون فقط ثورة الحاجيات الراديكالية"(مساهمة في نقد فلسفة الحق عند هيغل) يتناول في هذا الكتاب جملة من القضايا المرتبطة بانفجار النزعة الاستهلاكية في ظل الشره الرأسمالي الذي يسعى إلى توسعه اللامحدود عبر تنويع واختراع بضائع جديدة، وصناعة حاجيات جديدة غير ضرورية .وقد تنوعت فصول الكتاب على العناوين التالية: استهلال،أيكولوجيا الليل، 1- نظرية نقدية للحاجيات،2- الحرمان،3- المدمنون على السلع، 4-تغيير الأشياء، 5- مجتمع الترف، 6- سياسة المتطلبات، 7- في السعي إلى الديمقراطية البيئية،8-عودة إلى المستقبل: غرامشي مع groz   ومن خلال العنوان الفرعي للكتاب :"كيف نخرج من النزعة الاستهلاكية" يكشف الكاتب عن طموح نظري وسياسي ، نجمله في مسألتين:المسألة الأولى تتعلق بضرورة الخروج من الرأسمالية كعامل حاسم ، أما المسألة الثانية فتتعلق بتدبير السياسة الناجعة من أجل هذا الخروج. في هذا السياق يسلط الكاتب الضوء في الفصول الأولى على الأزمة البيئية المستفحلة في ظل جنون الرأسمال من أجل السيطرة على الفضاءات العامة والخاصة ، من خلال تحويل الضوء الطبيعي إلى ضوء اصطناعي حيث" يتحول الضوء بعد عتبة معينة إلى تلوث، فقد زاد خلال نصف القرن الماضي مستوى الإضاءة في البلدان المتقدمة عشرة أضعاف نتيجة لذلك، تحولت الإضاءة العامة والداخلية ، التي سمحت بتنويع وإثراء غير مسبوق للأنشطة البشرية الليلية ، إلى مصدر إزعاج لما كان في الأصل تقدما." من خلال معلومات دقيقة حول الآثار المدمرة "للتلوث الضوئي" يعدد الحالات المتنوعة والأضرار الكبيرة التي يسببها للجهاز المناعي للإنسان، على المستوى الفزيولوجي والنفسي والثقافي: "يجعل النوم صعبًا على كثير من الناس لأنه يؤخر تكوين الميلاتونين ، الملقب ب "هرمون النوم". يتكون جسم الإنسان من مجموعة من الساعات البيولوجية ، يتم تحديد دوراتها من خلال تعاقب النهار والليل ، والتي تشكل في حد ذاتها أساس الدورات الشهرية والموسمية الأخرى. "إيقاع الساعة البيولوجية" هو المصطلح الذي يشير إلى هذه المجموعة: "الساعة البيولوجية" ، من الكلمة اللاتينية " نظرًا لأن الميلاتونين ينظم إفراز الهرمونات الأخرى ، فإن الاضطراب الذي يتعرض له يؤثر على العديد من جوانب التمثيل الغذائي لدينا: ضغط الدم ، الإجهاد ، التعب ، الشهية ، التهيج أو الانتباه اللون الأزرق ، الموجود بشكل خاص في طيف الضوء من التقنيات الجديدة - شاشات التلفزيون أو الكمبيوتر أو الهاتف المحمول - ضار بشكل خاص في هذا الصدد. تؤسس الدراسات الطبية المتقاربة صلة بين التلوث الضوئي والسرطان وخاصة سرطان التدي، يوضح مقال نُشر في عام 2008 في مجلة علم الأحياء الزمني - علم آثار الوقت على الكائنات الحية - التباين بين مستوى الإضاءة الإصطناعية في منطقة ما وسرطان التدي. بالإضافة إلى هذه الأبعاد الفسيولوجية والنفسية ، فإن التلوث الضوئي له بعد ثقافي،  وتعتبر رؤية السماء مرصعة بالنجوم تجربة  وجودية، من الجدير أن يستكشفها المرء نسبيا، بغض النظر عن الطبقة أو الجنس أو العرق."لكنها أصبحت عملة نادرة في ظل سيطرة شركات الإشهار التي تملأ الشوارع ومختلف المباني بعلاماتها التي لا تتوقف طيلة الليل عن الإضاءة الليلية، زد على ذلك الإنارة الدائمة التي تفرضها الدولة وتتحمل وزر فاتورتها الجماهير" ا- نظرية الاحتياجات الراديكالية تستدعي الأزمة البيئية الخطيرة التي تلوح في الأفق اتخاذ اختيارات إنتاج واستهلاك جذرية، ومن أجل تقليل استخدام المواد الخام ، واستهلاك  الطاقة ، يفترض محاربة الإنتاج الرأسمالي الذي يستهدف في المحصلة الأخيرة تنمية الرأسمال على حساب الأرواح، وبالمثل النزعة الاستهلاكية التي تدعمها عبر آليات متنوعة : الإشهار، خلق متاجر كبرى، تكريس تسويق المنتجات بعينها، خلق لوبي لإنتاج برامج وأفلام سينمائية وموسيقى لهذا الغرض. ويطرح السؤال العريض: على أي أساس يجب أن تتم هذه الاختيارات؟ وكيف يمكن التمييز بين الاحتياجات المشروعة التي يمكن سلكها عن طريق اتباع سياسة ديمقراطية بيئية مستقلة، وبين الاحتياجات غير المستدامة والتي يجب التخلي عنها . في هذا السياق يسوق الكاتب نظرية للاحتياجات التي تفي بهذا الغرض. إن الاحتياجات لها طابع تاريخي ، تتطور بتطور التشكيلات الاجتماعية، وفي العصر الراهن حيث سيادة نمط الإنتاج الرأسمالي ، فالمسألة في جوهرها تعني مواكبة أشكال الاغتراب والتدمير البيئي المحدد ، فإذا أدت الرأسمالية إلى تكاثر الحاجيات التي تكون في الغالب مصطنعة  ، فذلك لأن الإنتاجية والاستهلاكية و التي تكمن وراءها تدفق سلع جديدة في السوق ، وبالتالي فإن استعادة السيطرة على الاحتياجات الضرورية تفترض وضع حد للمنطق الرأسمالي. هذا يقودنا إلى اعتبار الاحتياجات الضرورية  ليست فقط لها طابع تاريخي بل أيضا سياسي. فالسيطرة عليها تعني تحالفات قادرة على معارضة الإنتاجية الاستهلاكية . من هنا الحاجة إلى نظرية نقدية للاحتياجات ، تمزج بين نقد الاغتراب والأيكولوجية السياسية ، وهي في العمق تطوير للنظرية الماركسية التي لا ترى التناقض فقط بين الرأسمال والعمل ، بل أيضا بين الرأسمال والبيئة. تمنحنا نظرية غرامشي حول مفهوم الهيمنة ، ونظرية نيكوس بولانتزاس حول العلاقة المتشابكة بين الدولة والسلطة والاشتراكية إحدى المداخل الأساسية للفهم الجدلي لمعضلةالاحتياجات الأساسية. إضافة إلى التقليد الماركسي الذي كرسته مدرسة بودابست التي طورت نقدا مهما ضد التجربة " الاشتراكية الفعلية " في الاتحاد السوفياتي، من خلال علم فكري هي الفيلسوفة الماركسية Agnes Heller  التي طورت نظرية ماركسية للاحتياجات الجذرية،  والمنظر الأيكولوجي الماركسي André Gorz من خلال كتابه المعلمة: stratégie  ouvrière et neocapitaliste.هيلر وغوزر هما من أصل نظرية الاحتياجات بالمنظور الماركسي العميق. ب- كيف الخروج من النزعة الاستهلاكية يواصل عالم الاجتماع السويسري Razmig keucheyan بحثه القيم من خلال تطوير تصور يليق بمجتمع تزدهر فيه الحاجيات الحقيقية ولن يكون في نهاية التحليل سوى مجتمع الرفاه الشيوعي ، ومن أجل تأصيل هذا المنظور ، يعتمد على مفكرين ماركسيين هما الفيلسوفة المجرية Agnes Heller الراحلة  وهي تلميذة الفيلسوف جورج لوكاش، فيما الثاني هو المنظر الأيكولوجي الماركسي الفرنسي: André Gorz الراحل، فالأولى طورت فلسفة ماركسية للاحتياجات مستلهمة من نظرية ماركس ،  والثاني أضاف للماركسية البعد الأيكولوجي.تسعى هذه النظرية من خلال هذا الدمج التركيبي إلى الجواب على سؤال بسيط : ماذا نحتاج؟ طورا نظريتهما من داخل المجتمعات الأوروبية والأمريكية، حيث تطور " مجتمع الاستهلاك" وأصبحت مشكلة " الهدر" وما ينتج دون ضرورة، والتي لاتلبي حاجة حقيقية أو مركزية، ففي ظل نمط الإنتاج الرأسمالي يتحول الاستهلاك إلى غاية في ذاته. لقد أصبح تحديد الاحتياجات التي  تلبيها أو لا تلبيها يعد أمرا ملحا في التفكير النقدي وفي أجندة الحركات الاجتماعية. إن الرأسمالية تتميز بتدفق البضائع في السوق بشكل متزايد ، وهي الطريقة الوحيدة لبقاء الشركات في بيئة تنافسية، فالتنافسية كخاصية رأسمالية تجبر على إنتاج المزيد ثم المزيد من السلع في وقت أقل ، وهذا يعني من بين أمور أخرى ثورة تكنولوجية دائمة، واستغلال أجزاء جديدة من الطبيعة و المخزونات وتدفقات الطاقة. الرأسمالية هي أيضا استهلاكية، حالتها هي استهلاك البضائع ، مما يفرض تدفقات  متجددة للموارد المالية والطاقة، إذ تقتصر دورة حياة " المنتجات" من خلال عمليات خبيثة  أكثر أوأقل، تتطلب شراء منتجات جديدة، إذن الإنتاجية و الاستهلاكية وجهان لذات الديناميكية، بحيث يجب استهلاك البضائع لأنها تنتج بكميات متزايدة، إن عادات المستهلكين الراسخة تدفع الشركات إلى تسريع " سرعة الدوران" للسلع( تعبير ماركس) . إن نقد الاغتراب يقود المفكرين إلى الاهتمام بالاحتياجات ، ولتوضيح ذلك ، يجيبان  على سؤال : ماهي العلاقة بين الاغتراب والاحتياجات؟