غرق "بينيت" في الصحراء، وحلقت فلسطين على أجنحة قرطاج


منذ الإعلان الأمريكي عن الشق السياسي لصفقة القرن، بدأ الحديث عن المسار الإقليمي للصفقة، المستند إلى عملية تطبيع واسعة، ...
جهاد سليمان

منذ الإعلان الأمريكي عن الشق السياسي لصفقة القرن، بدأ الحديث عن المسار الإقليمي للصفقة، المستند إلى عملية تطبيع واسعة، حضر لها بين بعض الأنظمة العربية ودولة الإحتلال الإسرائيلية، وروج لها من مدخل التعاون الإقتصادي والأمني، على بعض الفضائيات العربية المؤثرة، بإعتبارها خطوة إلى الأمام، في مسار المساعي لإنجاز  ما يزعم انه "حل شامل" لمسألة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل تمادت بعض التصريحات السياسية، لمسؤولين عرب رفيعي المستوى، بأن ما تضمنته صفقة القرن يشكل مصلحة كلية للشعب الفلسطيني، وأن عملية التطبيع التي إفتتحتها إتفاقية "أبراهام"، هي في سياق خدمة القضية الفلسطينية او بالحد الادنى اوقفت عملية الضم، كما قيل حينها ليتبين بعد ذلك ان هذه الاتفاقية لم تتضمن كلمة واحدة لا عن اساسيات الصراع ولا عن الضم، لا بل لم تتضمن كلمة واحدة عن فلسطين، في أبشع مسرحية هزلية، فشل أبطالها المزعومون في أداء الأدوار الموكلة لهم، وفق السيناريو الأمريكي الإسرائيلي، أمام الملايين من أبناء شعوبنا العربية والحرة في منطقتنا، بحيث أسدل الستار وأطفأت الأنوار مبكرا، دون إعلان صريح عن نهاية هذا العرض المونولوجي الوضيع.

إكتظت قاعات حفلات التنكر، في بعض العواصم العربية، التي وصلها مسؤولون إسرائيليون، بأقنعة السلام المزعومة، ليروجوا لخرافة الديمقراطية المزعومة الوحيدة في الشرق الأوسط، وسط إنبهار عربي رسمي، يضفي إلى ملامح الهائمين بدجل السردية الصهيونية، والمبنية على خرافات تاريخية ومزاعم دينية بحتة، ملامح الإستغباء المتعمدة، في حين تصاعدت عمليات القتل والإعدامات الميدانية، والإعتقالات العشوائية وتهديم البيوت، من قبل قطعان المستوطنين وقوات الاحتلال الإسرائيلي،  والمحاولات المتواصلة من الجمعيات الإستيطانية المتطرفة، المحمية من الحكومة الإسرائيلية، لتنفيذ عمليات تطهير عرقي، وسطو ممنهج على ممتلكات الشعب الفلسطيني، في حي الشيخ جراح وسلوان، في مدينة القدس المحتلة، في سياق مشروع التهويد الكبير، الذي يشكل جوهر، تبديد حقوق الشعب الفلسطيني الوطنية، والأرضية التي يقف عليها مخطط الضم، قلب ما يعرف بدولة إسرائيل الكبرى، وايضا وقفت اتفاقات التطبيع واصحابها متفرجون على ما يجري دون قدرة حتى الاسف لما يحصل..

حل رئيس الوزراء الإسرائيلي، وزعيم حزب "يمينا" المتطرف نفتالي بينيت، ضيفا مكرما، في دولة الإمارات العربية المتحدة، في أول زيارة رسمية، لرئيس وزراء إسرائيلي إلى الإمارات منذ توقيع إتفاقية التطبيع،  وذلك بهدف توطيد العلاقات وإبرام العديد من إتفاقيات التعاون في مختلف المجالات، كما أكد بينيت في تصريحه قبل مغادرته مطار بن غوريون، ومضيفا أن زيارته للإمارات العربية المتحدة، هي حدث تاريخي والأولى من نوعها، في حين تجاهلت القيادة الإماراتية، العقلية الدينية المتطرفة والعنصرية، التي ينطلق منها بينيت، في تعامله مع القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني، بل والشعوب العربية ودولها، وهي عقلية إستعلائية، تنظر إلى كل ما هو غير يهودي نظرة إزدراء وتعالي، تنطلق من عقيدة توراتية تلمودية تدعي التفوق على العالم أجمع، وهو ما إنعكس بشكل واضح في العديد من تصريحاته وخطاباته، والتي كان آخرها، في الجمعية العامة للأمم المتحدة، عندما قال على مسمع العالم أجمع، بأن إسرائيل هي منارة في بحر صاخب، مُصرّة على أن تقدّم مساهمتها للعالم من مجرد وجودها في الحي الأكثر قساوة على وجه الأرض، ومؤكدا على مزاعمه الدينية، التي منحت قانون القتل الجماعي، وعمليات الإبادة والتطهير العرقي، التي أرتكبت بحق الشعب الفلسطيني، وبعض الشعوب العربية، عذرا مقبولا يغسل آثار دماء الضحايا، على سيوف حراس المعبد، بإدعائه النسب إلى أمة العهد القديم، العائدة إلى موطنها الممنوح بوعد إلهي، في حين يبذل جهودا حثيثة في  ترشيد لكنته الأمريكية الممزوجة بتراث بولوني، ومتحايلا على ملامحه الأشكنازية الخزرية.

وفي حين ظن أحد عرابي التطرف والعنصرية الإسرائيلية، بأن الشعوب العربية، تتابع مسار زيارته الرسمية، ومسرحية الترويج الهزيلة، لعزل الشعب الفلسطيني وتهميش قضيته،  كان الملايين من أبناء منطقتنا العربية وأحرارها يتابعون ويسمعون، الهتافات والتصفيقات الحماسية، للنشيد الوطني والعلم الفلسطيني، الذي ظهر في سياق إفتتاحية بطولة كأس العرب لكرة القدم، في شهر تشرين ثاني 2021، إذ كان لافتا تفاعل الجمهور العربي الحماسي، مع النشيد الوطني الفلسطيني، في رسالة شعبية واضحة، تؤكد على مكانة فلسطين وشعبها المكافح والمناضل، في ضمير وقلوب الملايين من شرفاء شعوبنا العربية والأحرار في منطقتنا، وفي الوقت الذي تجاهل الملايين، زيارة أحد زعماء نظام الفصل العنصري والتمييز العرقي والديني، رفعت أعلام فلسطين، على أكتاف المشجعين، وتجاورت مع أعلام مختلف الدول العربية، فلم تكن فلسطين حاضرة فقط في وجدان الملايين، ومشاركة فاعلة في العاصمة القطرية،  بمنتخبها الوطني 'الفدائي"، الذي قدم مستويات رياضية متقدمة، على الرغم من الإمكانيات المتواضعة، والقيود والتحديات التي يواجهها اللاعبون والإتحاد الوطني، نتيجة تضييقات الإحتلال المتواصلة، بل وكانت فلسطين حاضرة على أكتاف الفرق الفائزة، إذ أبى أبطال "محاربي الصحراء"، أحفاد الثورة الخضراء، وأبناء بلد المليون شهيد، إلا أن تتقاسم فلسطين وشعبها فوزهم، في مشهد يختزن في تفاصيله، وبإمتزاج ألوان الجزائر وفلسطين، كل معاني الإخلاص والإخوة، وتبعها في ذات السياق، أبناء قرطاج ونسورها، ليحتضن علم تونس الخضراء علم فلسطين، كما أحتضنت شهداء الشعب الفلسطيني وثورته، وكما إختلط الدم التونسي الفلسطيني، في مشهد وجداني رائع، ينسف ليس فقط أساس زيارة بينيت التاريخية المزعومة وأهدافها، بل وأيضا جوهر مسلسل التطبيع المذل، والإتفاقيات الهادفة إلى تحويل دولة "الأبارتهايد" الصهيونية، إلى دولة طبيعية في الوسط الشعبي العربي

يحاول بينيت ومعه عصابة التطهير العرقي وقبله نتنياهو، إستخدام ضعف النظام العربي الرسمي وهشاشته، للإنقضاض على القضية الفلسطينية، وحقوق الشعب الفلسطيني الوطنية، ومن مدخل فرض المسار الإقليمي لصفقة القرن، بالعصى الغليظة الأمريكية، المرفوعة بوجه أمراء وزعماء هذه الأنظمة، لخدمة مشروع تهشيم صورة ومكانة الشعب الفلسطيني وقضيته، في نظر الشرفاء من شعوبنا العربية، وإظهار الشعب الفلسطيني وحيدا مهمشا، في حين تفتح بعض العواصم العربية، للمسرحيات الهزلية الصهيونية، إلا ان الرد الشعبي العربي، الذي برز في أعقاب هبة "باب العامود" وحي الشيخ جراح، وخلال معركة "القدس"، أعاد خلط الأوراق الصهيونية من جديد، ووجه صفعة مدوية، إلى مهندسي إتفاقيات التطبيع، المتآمرين على شعبنا وحقوقه الوطنية، بل شكلت حركة التضامن العالمية صدمة وصعقة كهربائية، لدوائر صنع القرار في إسرائيل، دفعتهم، للتشكيك في جدوى ما يسمى بالقبة الحديدية السياسية، وعليه  فشل بينيت في زيارته وغرق في رمال محاربي الصحراء، وحلقت فلسطين عاليا جدا، على أكتاف نسور قرطاج، وسقط بينيت ومسرحيته الهزيلة، وبقيت فلسطين، أيقونة جميع شرفاء شعوبنا العربية وأحرار العالم.