تعليق عل الأحداث الاخيرة في سبتة المغربية المحتلة


مثلما كان متوقعا أصدر البرلمان الاوربي يوم الخميس 10 من الشهر الجاري، بيانا موجها للسلطة في المغرب بسبب ما بات يعرف بوا...
سعيد كنيش

مثلما كان متوقعا أصدر البرلمان الاوربي يوم الخميس 10 من الشهر الجاري، بيانا موجها للسلطة في المغرب بسبب ما بات يعرف بواقعة التهجير الجماعي للمغاربة ومن بينهم الاطفال القاصرين إلى المدينة المحتلة سبتة ، أو بحسب لغة البيان نفسه “استخدام المغرب ملف القاصرين في أزمة الهجرة لمدينة سبتة” أو “استخدام القاصرين كأداة ضغط سياسي على إسبانيا بعدما خفف مؤخرا الرقابة على الحدود، ما زاد أعداد المهاجرين إلى سبتة”. وحسب سياق الاحداث التي سبقت واقعة إصدار البيان، أو تلك التي تلته بين الحكومة الاسبانية والمغربية، والعبارات المستعملة والمواقف المتضمنة فيه، يمكن أن نسمي هذا البيان المذكور الموجه للحكم المغربي، "بيان التقريع" . الهدف من إصدار البرلمان الاوربي لهذا البيان، هو إعادة تذكير الحكم المغربي بواقع العلاقة التي تربطه بأروبا بما هي علاقات التبعية والخضوع، وطبيعة هذه العلاقة التاريخية والبنيوية بما هي علاقات بين بلد ينتمي لدول الجنوب وبين أوربا السيدة العجوز مهد ولادة الرأسمالية والاستعمار أي العدوان والنهب قديمه وجديده. وفي هذا الصدد أعاد البرلمان الاوربي الذي تهيمن عليه التكتلات الكبرى اليمينية تذكير المغرب بالدور المطلوب الذي يجب على الرباط الالتزام به، وذلك بدعوته : للعمل حالا مع إسبانيا بشكل وثيق لإعادة الأطفال القاصرين المهاجرين إلى عائلاتهم. الحفاظ على علاقات حسن الجوار مثلما كانت قبل الازمة الراهنة مع دعوة المغرب إلى تعميق شراكته مع الاتحاد الاوربي في جميع الميادين. تم رفع الاتحاد في وجه الحكم المغربي الخطوط الحمر التي ينبغي عدم تجاوزها وذلك من خلال تذكيره: بأن الحدود الاسبانية تعتبر الحدود الخارجية للاتحاد الاوربي. وأن مدينة سبتة ذات الحكم الذاتي هي جزء من هذه الحدود . وهذا يعني دعم الاتحاد لاحتلال اسبانيا للمدينتين سبتة ومليلية وللمياه البحرية في محيطهما. وهو ما تم التعبير عنه في اجتماع رؤساء الدول والحكومات الاتحاد الاوربي بتاريخ 25/05/202. دعوة المغرب من أجل احترام القانون الدولي و سيادة ووحدة الأراضي الاسبانية، و عدم انتهاك واحترام الحدود الوطنية. كما جاء في كلمة الممثل الاعلى للاتحاد المكلف بالسياسات الخارجية وسياسة الامن خلال اجتماع مجلس وزراء الخارجية للاتحاد الاوربي المنعقد بتاريخ 18 ماي 2021. رفض الاتحاد استعمال ورقة الهجرة من طرف المغرب أثناء مراقبته للحدود كوسيلة ضغط سياسية على دولة عضو في الاتحاد الاوربي لقد اكتفت السلطات بالرباط أمام هذا التقريع بحك رأسها، والقيام ببعض التصريحات الدفاعية لمسؤولين في الحكومة، وأخرى منسوبة إلى “مصدر رسمي”، مجهول الهوية نشرتها بعض المواقع المقربة من السلطة، وتضمنت تصريحات تقلل من أهمية قرار البرلمان الأوروبي. حكومات الاتحاد الاوربي ومؤسساته تعودت أن تكون موحدة ومتضامنة فيما بينها عندما يتعلق الامر بالصراع مع أي بلد ينتمي إلى بلدان الجنوب المستعمرة سابقا ، أو البلدان ذات الانظمة التبعية والخاضعة حاليا اقتصاديا وماليا وأمنيا لأروبا ولشركاتها الاحتكارية وأسواقها التجارية . هذه قاعدة تابته ومستمرة رغم ما يقال عن أوروبا كونها قزم سياسي وعملاق تجاري. فهذا الأمر يحصل فقط عندما يكون الصراع مع الكبار في عالم اليوم. لذلك لم يكن الامر مفاجئا عند أي متتبع حصيف دخول الاتحاد الاوربي على خط الازمة وإصدار البرلمان الاوربي بيان التقريع. وهو تذكير للحكم المغربي بالمطلوب تنفيذه والخطوط الحمر المرفوض تخطيها؛ هذا إذا كان حريصا الحفاظ على الموقع الذي خصه به الاتحاد "دور الشريك المتميز"، أي التابع الجيد.. لم أقم فيما سبق تناوله في بداية هذا المقال من وقائع، إلا بوصف و تسمية الامور بمسمياتها. لكن ما يهمني حقيقة هو الجواب عن السؤال الذي يفرض طرحه في الازمة المفتوحة بين الحكم المغربي و إسبانيا، وقبلها بقليل مع ألمانيا الاتحادية. من أين أتت الحكم المغربي هذه الثقة الزائدة في الاعتقاد بممارسة الضغط على اسبانيا وقبلها ألمانيا، لكي تقبلا بتعديل موقفهما السياسي داخل مجلس الامن وداخل الاتحاد الاوربي حول النزاع المرتبط بالصحراء الغربية؟ الجواب على هذا السؤال برأيي هو الدي يفسر بشكل كبير السبب، الذي جعل الحكم المغربي يعتقد متحمسا بأن اسبانيا - وقبلها ألمانيا - ستستجيبان للضغوطات التي يمارسها. خاصة و أن السبب في تأزيم العلاقة بين الحكم المغربي مع اسبانيا وألمانيا ، هو موقفهما من "الاعتراف الترامبي" المدعم لموقف المغرب في النزاع المرتبط بالصحراء الغربية كمقابل للصفقة التي تم عقدها مع الكيان الصهيوني بشأن التطبيع الرسمي. أما الباقي فيعتبر تفرعات عن جذر المشكل المحدد. ألمانيا الاتحادية ومنذ الاعلان عن الصفقة صرحت من خلال دورها النشط في مجلس الامن عن رفضها لأي مساس بدور المجلس في البحث عن تسوية لمعالجة قضية الصحراء الغربية وفق القرارات الدولية ذات الصلة. أما إسبانيا المرتبطة تاريخيا بهذا الصراع فقد عبرت بوضوح عن رفضها لتصريح الرئيس ترامب، واعتبرته لأنه يمس بمصالحها الاقليمية. لقد اعتقد الحكم المغربي أن التطبيع مع الكيان الصهيوني وتصريح ترامب بخصوص الصحراء الغربية قد فتح له نصرا وقوة غير مسبوقين بخصوص النزاع المرتبط بالصحراء الغربية. الامر الي قد يمكنه من شراء دعم المحافل الصهيونية في الغرب وخاصة في الولايات المتحدة. هذا الاعتقاد الساذج والرهان الخاسر الذي هو صنيعة الحسابات الخاطئة جعلته يندفع بقوة مزعومة في صراع مفتوح بدون تقدير الاحتمالات والنتائج مع إسبانيا وقبلها ألمانيا مستعملا التهديد بورقة الامن والهجرة لأنهما نقطتي الضعف في الخاصرة الجنوبية لأروبا. و كانت الحصيلة في هذا الصراع الخاسر: أولا، لقد تابع الرأي العام بمختلف مكوناته من خلال المشاهد والصور الكثيفة، مأساة الاطفال القاصرين المغاربة مع بعض الاسر المهاجرة، الذين زج بهم كحطب في هذا الصراع بدون رأفة. و استعملوا وقودا في هذا الصراع ضدا على المواثيق الدولية الخاصة بحقوق المهاجرين وحقوق الأطفال. واستحق الحكم المغربي الاستهجان والامتعاض والادانة من هذا الاستعمال الرخيص لجزء من المواطنين المغاربة ، واستغلال حاجتهم المشروعة للهجرة من أجل تحسين أوضاعهم المعيشية. تانيا ربح اليمين المتطرف والعنصري في أوربا االمعادي للمهاجرين وحقوقهم، وربحت معه حكومات الاتحاد الأوربية التي تتخبط في أزماتها المتفاقمة، خاصة بعد أزمة الوباء الصحية والاجتماعية والاقتصادية. وبسرعة أكدت على وحدة مصالحها وطبيعتها التوسعية في هذا النزاع. ودلك بالتأكيد على اعتبار المدينتين المحتلتين سبتة ومليلية ومياههما البحرية، بمثابة الحدود الخارجية للاتحاد الاوربي، وبالتالي سيادة اسبانيا الاستعمارية عليهما. والامر الخطير استعداد الاتحاد الاوربي للنظر في تغيير وضعهما القانوني ( الحكم الذاتي ) وضمهما للاتحاد. لقد برزت عزلة الحكم المغربي في هذا الصراع وهذا أمر طبيعي خصوصا بعد أن تغيرت الادارة الامريكية، وسقط الرهان على المحافل الصهيونية في الماء . وانعكفت فرنسا الراعية التقليدية لمصالح الحكم المغربي داخل الاتحاد عن تقديم أي دعم يخفف من وطأة الخسارة السياسية والديبلوماسية التي لا زال الحكم يجترها. لم يتفاجأ الكثير من المواطنين المغاربة في داخل البلد أو خارجه، بمشاهد الصور التي تناقلتها وسائل التواصل الحديثة، خاصة تلك التي تخص الأطفال القاصرين وسط آلاف المهاجرين، سواء أثناء إبحارهم في الشواطئ المحتلة، أو أثناء سقوطهم في براثن القوات الاسبانية المحتلة، أو أثناء تكديسهم في ظروف لا إنسانية في أماكن الحجز. فقد تعودوا على مثل هذه المشاهد المؤلمة المتكررة في ظروف مختلفة ومتعددة لمواطنين ومواطنات بلا أسماء، لا تسمع أصواتهم ينتمون لبلد صارت تنزف وتفرغ وتحرق وتخدع. كما أنه من العبث الاستمرار في طرح هذا السؤال. لماذا يفر المغاربة من كل الاعمار من بلدهم كلما فتحت ثغرة في الجدار؟ فالأسباب واضحة ، والبلد لا تعيش حربا شبيهة بالحروب الجديدة والهجينة التي فرضت من الخارج على بلدان بعض الشعوب في المنطقة. فالبلد لها حربها الخاصة التي تشن بأسلحة مقنعة و مرئية ، يخطط لها في أقبية سرية في غفلة من الشعب. حرب لا تتوقف وبلا هوادة، بين حفنة من السادة في مواجهة جماهير العبيد .أما السؤال الذي يجب أن يؤرقنا ونطرحه على انفسنا هو، كيف نوقف استمرار هذا الخداع الذي يسمى "تنمية بشرية " ،أمام القتل الصريح لأحلام رجال ونساء وأطفال شعب لمجرد البقاء والعيش في بلدهم .