الصين من الماوية إلى رأسمالية الدولة


التقديم:
[لا شك أن ممارسة الحق في التعبير والتفكير والنقد يعتبر تحديا كبيرا أمام التقدميات والتقدميين في مجتمع أغلبيته ...
Alawrak
alawrak

التقديم: [لا شك أن ممارسة الحق في التعبير والتفكير والنقد يعتبر تحديا كبيرا أمام التقدميات والتقدميين في مجتمع أغلبيته محافظة، يسكنها الخوف وتخضع للانفعال وللعاطفة ولسلطة المسلمات في أحكامها، وتفضل الهروب من طرح أسئلة جريئة ومحرجة وتجد صعوبة في تقبل التغيير والاختلاف والتعبير عن الاختلاف.] عن صفحة "نساء تقدميات". إنه منطق النقاش في التعامل مع الرأي والرأي المخالف والتفاعل مع جميع الآراء على نفس القدر من الاحترام وسعة الصدر.

وفي الموضوع المشار إليه أعلاه، من المؤكد أن الصين لم تأخذ حضها الكافي من التحليل الموضوعي في صف مثقفي/ات اليسار لإنارة النقاش أكثر. وفي موضوع شائك كهذا لابد من توخي الحذر على الأقل من وجهة نظري في النقط التالية: ـ إن نعت الصين بالإمبريالية والتساوي بينها وبين الأمريكية قد يتولد عنه تيه وسقوط البرنامج السياسي برمته حين تخطئ أعداءك الحقيقيين. وهو ما حصل في وقت ليس ببعيد عنا إبان دخول روسيا إلى سوريا بطلب من النظام، ـ يلزم التريث في إصدار المواقف مسبقا أمام شح المعطيات من جانب النظام الصيني، أو وفرتها في استعمال الدعاية المضادة من طرف الإمبريالية، ليس ضد الصين فحسب، بل كذلك ضد البديل الاشتراكي ككل، ـ يجب التمييز بين ما توحي به النظرية الماركسية، والواقع الذي لم يعرف بعد أي نموذج يقتدى به للاشتراكية المطبقة قادر على وضع منهجية محددة للوصول من مرحلة الثورة البورجوازية الوطنية إلى نظام اشتراكي تتولى فيه البروليتاريا السلطة. ولنا مثل ساطع في "السياسة الاقتصادية الجديدة (لانيب)" في صعوبة الانتقال إلى النظام الاشتراكي، بمعنى أن كل شيء معرض للصراع بعيدا عن الحتمية، ـ لا يعني بوجود الحزب الشيوعي أن السلطة البروليتارية توجد بأياد آمنة بل إن سلطتها في المجتمع تبدأ بسلطتها في الحزب أولا، لكي لا تذهب بها البورجوازية الصغيرة إلى الانحراف؛ " وهذا ما يفسر جزئيا إلحاح لينين على تنظيم الحزب في المعامل الكبرى وكذا مفهومه "القلعات البروليتارية" الذي تبين أنه كان حاسما في انتصار ثورة أكتوبر وفي تثبيت الثورة في غمار زوابع السنوات اللاحقة." (إلى الأمام، العدد 14، ص 27). ويعرف دستور جمهورية الصين الشعبية في بنده الثاني بأن: " طبيعة الدولة هي الديكتاتورية الديمقراطية الشعبية التي يقودها طبقة العمال والتي تتخذ تحالف العمال والفلاحين قاعدة لها.

  • الديكتاتورية الديمقراطية الشعبية هي ديكتاتورية البروليتاريا جوهريا.
  • طبقة العمال هي الطبقة القيادية للدولة، طبقة الفلاحين هي حليف طبقة العمال، فهي الطبقة القيادية للدولة أيضا." يجب استحضار هنا أن للصين كثافة سكانية تفوق مليار و400 مليون نسمة أي ما يفوق 20% من ساكنة العالم، وتتوفر على 7% من الأراضي الزراعية الخصبة في العالم. وعلى الرغم من القاعدة الواسعة للطبقة العاملة، بحيث تقدر فقط في القطاع الصناعي بما قدره 80 مليون عامل/ة. ورغم ذلك فالواقع لا يوحي أنها تقبض على زمام السلطة؛ بل كما أسماه المفكر المهدي عامل بالانفصام بين الفكر والواقع. فكيف إذن تحولت جمهورية الصين من دولة ذات البرنامج الاشتراكي إلى رأسمالية الدولة، وأصبح اقتصاد السوق يهدد مستقبل الاشتراكية في الصين؟، هل تعني الإنجازات في النمو والتقدم الاقتصادي اليوم أنها ظرفية كأي ثورة بورجوازية ديمقراطية في انطلاقتها، أم هو توجه سياسي دائم؟ وماهي المقاربة المستقبلية التي تنتظر بلد القائد ماو اتسيتونغ؟

1 ـ عودة للتاريخ

أطلق الزعيم ماو اتسيتونغ الثورة الثقافية مرتكزا على الشبيبة الشيوعية الصينية والتي سوف تشكل العمود الفقري للجيش الأحمر. كان المبتغى من هذه الثورة هو حل التناقضات التي بدأت تظهر داخل قيادة الحزب الشيوعي لوضع حد للبيروقراطية وتقديس الشخص وتخليص الحزب من العناصر البورجوازية وعدم السقوط في التحريفية السوفياتية...واعتبر خط القائد ماو أن هذا العمل الجبار يمر عبر إعادة التثقيف في جميع المجالات بدءا بما يحبل به التراث الصيني من تعاليم لفرز الجوانب المستشرقة فيه إلى التشبع بالنظرية الماركسية اللينينية. وتمكنت الثورة الثقافية من تحقيق إيجابيات عدة في رفع مستوى الوعي، ازدهرت فيها طباعة الكتب والمجلات الحائطية، وتمت تقوية دور الطبقة العاملة في مواقع الإنتاج وتمكين الفلاحين من السيطرة على التوزيع والإنتاج الفلاحي وتقوية تنظيماتهم وإعادة بناء الحزب وأجهزة الدولة تماشيا مع التصور الذي طرحه ماو. غير أن نقل الصراع إلى الشارع وتصدر الجيش الأحمر لدعم أهداف الثورة الثقافية خاصة في الشق المتعلق بالسلطة والتحكم الأحادي في جميع أجهزة الدولة، جعل تذبير هذا الصراع يأخذ طابعا عنيفا ودمويا ذهبت ضحيته مئات الآلاف بين الموتى والمعتقلين وأضاع الحزب مئات الكوادر الشيوعية بذرائع التخوين. وتشكلت داخل القيادة الواحدة تكتلات على شكل أوكار للثعابين في البحث عمن يوقع بالآخر. أربع سنوات لا حديث إلا عن أقوال ماو العبقري، وإنجازات الجيش الأحمر في ملاحقة البورجوازية المتنفذة. أغلقت في هذه الفترة الكليات والمعاهد لم تعرف تخرج ولو فوج واحد؛ وتحول أغلب العلماء لعمال النظافة في الشوارع أو مزارعي الأرز، ومثيلاتها من القرارات التي ذهب ضحيتها العلم والتقدم التكنلوجي وتراجع المؤشرات الاقتصادية. مهد هذا الوضع لإضعاف استراتيجية ماو اتسيتونغ في بناء " اقتصاد تحت الحصار"، وانحرفت الثورة عن مسارها في إعطاء كل الدعم لأطروحة شوان لاي التي تنادي لجلب التقنيات الحديثة والمصانع المتقدمة والتكنلوجيا المتطورة لإخراج البلاد من أزمتها الاقتصادية. بدأت تضعف قدرات القائد الشيوعي الصيني ماو اتسيتونغ بسبب تقدمه في السن ووضعه الصحي؛ وتوفي في 09 شتنبر 1976، أي سنة بعد وفاة شوان لاي صاحب أطروحة " الانفتاح " إلى جانب دينغ زياوو بينغ. كما توفي لين ابياو في حادثة، أم مغتالا حسب الروايات بعد أن تحطمت طائرته وهو القائد الثاني الذي كان مؤهلا لرئاسة الحزب بعد وفاة ماو اتسيتونغ. ان الهدف من هذا السرد ليس هو تقييم الثورة الثقافية والذي يتطلب بحثا شاملا وأعمق، بل فقط لإبراز كيف انتصر خط دينغ زياوو بينغ وانفرد بالسلطة، حسمته انتفاضات شملت العديد من المناطق في أبريل 1976؛ والتي نزل في شوارع العاصمة بكين وحدها أكثر من 100 ألف شخص تخللتها صدامات ضارية مع البوليس والجيش، سببها الظاهر إزالة أكاليل لتخليد ذكرى شو وان لاي، سنة بعد وفاته، ولكن في جوهرها تأييد صريح لحكم دينغ ازياو بينغ. وبدأ العد العكسي في ملاحقة زعماء الثورة الثقافية بعد موت الزعيم ماو اتسيتونغ في شتنبر1976، وتمت تصفية أغلبهم بتهم جاهزة تحملهم أخطاء الثورة الثقافية، وعلى رأسهم ما صار يعرف ب «عصابة الأربعة". وهكذا عرفت الثورة الصينية منعطفا/انحرافا أصبحت بموجبه الطريق معبدة لتثبيت الخط السياسي لحكم دينغ ازياو بينغ، بالتخلي عن استراتيجية تطوير" الاقتصاد تحت الحصار "، لتبني سياسة "الانفتاح والتحديث " وفق قوانين اقتصاد السوق بإقحام آليات "اشتراكية السوق"، وحلت المقولة الانتهازية " لا يهم لون القط، فالمهم أن يقبض على الفئران" لتعوض منطق ماو اتسيتونغ: " من يقوم بنصف ثورة، كمن يقوم بحفر قبره بيده ".

2 ـ عن رأسمالية الدولة وإمبريالية الصين ـ على ضوء المبادئ الخمس اللينينية: في كتابه القيم " الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية "، حدد لينين خمس سمات لوصف الإمبريالية: أ ـ تمركز الانتاج ورأس المال تمركزا بلغ في تطوره حدا من العلو أدى إلى نشوء الاحتكارات التي تلعب الدور الفاصل في الحياة الاقتصادية، ب ـ اندماج رأس المال البنكي ورأس المال الصناعي ونشوء الطغمة المالية على أساس "الرأسمال المالي" هذا، ج ـ تصدير رأس المال، خلافا لتصدير البضائع، يكتسب أهمية في منتهى الخطورة، د ـ تشكيل اتحادات رأسماليين احتكارية عالمية تقتسم العالم، ه ـ أن يكون انتهى تقاسم الأرض إقليميا فيما بين كبريات الدول الرأسمالية. "فالإمبريالية هي الرأسمالية عندما تبلغ من التطور درجة تكونت فيها سيطرة الاحتكارات والرأسمال المالي واكتسب فيها تصدير الرأسمال أهمية كبرى وابتدأ تقسيم العالم بين التروستات العالمية وانتهى جميع أقطار الأرض بين كبريات البلدان الرأسمالية"... " من كتاب " الامبريالية أعلى مراحل الرأسمالية" المجلد الأول، الجزء الثاني ص 390 وانطلاقا لم اعتبره لينين أن ظهور الامبريالية يعجل باندلاع الثورة البروليتارية. وبالرغم من سدادة السمات أعلاه لوصف الامبريالية، إلا أن تحولات سوف تطفو على السطح بعد وفاته طورت أساليب الهيمنة الامبريالية وأنتجت مؤسسات جديدة لاستمرارها، أغنت هذا التصور اللينيني للإمبريالية.

بعد الحرب العالمية الثانية تم وضع أسس عالم جديد وذلك بإنشاء صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ومنظمة الكاط ثم المنظمة العالمية للتجارة ومنظمة الأمم المتحدة وتنصيب مجلس الأمن الذي لم تلجه الصين كعضو دائم حتى 1971. للحصول على موقعها في الاقتصاد الرأسمالي العالمي كان على الصين أن تطلب عضويتها داخل هذه المنظمات المحدثة، وأن تقبل بالشروط المطروحة داخلها.

وكان للإمبريالية الأمريكية في خريطة المنتصرين في الحرب العالمية الثانية موقعا متميزا، مكنها من الهيمنة خاصة بإضرام اتفاقية ابريتن وودس التي منحت الدولار ميزة العملة العالمية تحدد قيمته كمعادل عام بالذهب، ويحدد بدوره قيمة عملات باقي دول العالم. ورغم فك ارتباطه بالذهب في شهر غشت 1971، إلا أن أمريكا احتفظت بالدور المركزي في الاقتصاد العالمي، تحدد قيمة الدولار حسب مصالحها، علما أن تكلفة صناعة وطباعة ورقة 100 دولارلاتتجاوز13 سنسا (100 سنس= دولار واحد). وهذا ما يفسر التدخلات العسكرية والعقوبات الاقتصادية لأمريكا على كل بلد يهدد بإلغاء التعامل بالدولار.

إن الرأسمال الإمبريالي الأمريكي " بات رأس مال مالي عالمي مهيمن، يقتطع أرباحا احتكارية، ليس كشأن رؤوس الأموال المالية الأخرى فحسب، بل ومن هذه الأخيرة أيضا، بوصفه محتكرا للدولار..." نفس المصدر السابق. لذلك فتصدير الرأسمال المالي غير كاف لتصنيف إمبريالية البلد المصدر من عدمه؛ وإلا سنصنف النظام المغربي كذلك، لما يقوم بنفس العملية الهولدينغ الملكي في العالم وفي إفريقيا على وجه الخصوص.

وفي السياق نفسه، تشكل قروض الصين ما يزيد عن 70٪؜ من حجم مديونية أمريكا، ومع ذلك فهذا لا يصنفها كقوة مهيمنة على الاقتصاد الأمريكي. فكل حديث عن الطغمة المالية يفصل بين دور الدولار كعملة تتحكم في التجارة العالمية، ويحصر القروض في ضخامة حجمها يسقط في التسطيح. " فهي (الدولار) بضاعة احتكارية ينتجها طرف واحد ويطلبها الجميع" عن مهند دليقان في مقالة عنونها روسيا " الشبح الإمبريالي "، بحيث أن أي صفقة في العالم بعملة الدولار تعود مباشرة بالربح على الخزينة الأمريكية، الجهة المحددة لسعر الدولار حسب مصالحها أولا. لذلك فهو عملة وبضاعة ومعادل عام تقاس به عملات العالم؛ من دون التساوي مع باقي العملات "يؤدي وظيفة وسيلة عامة للدفع، ووسيلة شرائية عامة، وتجسيدا اجتماعيا مطلقا للثروة على وجه العموم..." كارل ماركس، رأس المال ـ المجلد الأول ص 208

لن ننكر على الصين مواجهة ضغط القوى الإمبريالية بهدف التحكم في عملتها خارج الأسواق العالمية. إلا أن التمسك بسلطتها على عملة اليوان جعل الصين تحمي فقط اقتصادها وتحصد أكبر معدلات النمو في العالم.

3 ـ في الإنزالات العسكرية

إلى جانب موقع الدولار التفضيلي في الأسواق المالية، عوضت الإمبريالية امتيازات اتفاق بروتون وودس بالتكثيف من الإنزالات والقاعد العسكرية تفوق اليوم 750 قاعدة، " وأكثر من نصف مليون جندي وجاسوس وتقني ومتدرب وموظفين ومتعاقدين مدنيين...من أجل الهيمنة على محيطات العالم وبحاره...لمراقبة ما تقوم به شعوب العالم، بمن فيهم مواطنونا، وما يقولونه وما يرسلونه بالفاكس أو البريد الإلكتروني..." تشارل مرز جونسون: مؤرخ عسكري أمريكي ورد في نص د. عبد الرحيم مزاحم (القواعد العسكرية الأمريكية في العالم). إنها بكل بساطة ما اعتبرها المفكر سمير أمين "بالعقيدة" الاستعمارية مرتكزا على مقولة ماركس بأن فجر الإنتاج الرأسمالي بزغ منذ: «سرقة مناجم الذهب والفضة في أمريكا، ومن استئصال السكان المحليين واستعبادهم ودفنهم أحياء في المناجم...". سوف يكون من باب التجني إلحاق هذه العقيدة الكولونيالية للصين، والتي لم تخض حربا منذ 1979 مع الفيتنام، عدا منازعات حدودية بين الفينة والأخرى كالهند اليوم. وقد أقامت أمريكا 30 قاعدة عسكرية حول الصين، مما أرغم الصين مؤخرا إصدار قانون الأمن القومي بهونكونغ. وأقامت القاعدة العسكرية الوحيدة بدجيبوتي ضمن اتفاقية استغلال الميناء مقابل دين اقترضته هذه الدولة.

4 ـ المديونية، التبعية، هجرة، أدوات تكميلية ا لإحكام الطوق

وسائل أخرى لا تقل فتكا وخطورة للإمبريالية يجب استحضارها كالمديونية حيث أن الامبريالية وذراعيها البنك العالمي وصندوق النقد الدولي تضع شروطا تعجيزية يستحيل معها تسديد الدين، خلافا للصين التي تقايضه بالتشارك في مشاريع البنية التحتية، أو بالحصول على حجم معين من المواد الأولية، التي تتحكم الامبريالية الأمريكية في ضبط أسعارها. كما أن فرض التبعية التكنولوجية وتعبيد الطريق لهجرة العقول وتكوين الأطر كبيادق ...كلها وسائل لتكريس الأنظمة الاقتصادية التبعية، وتثبيت أنظمة لحماية مصالحها تصل أحيانا إلى التدخل العسكري المباشر. الشيء الذي لم يسجل على الصين استخدامه حتى الآن.

من المؤكد في ظل العولمة أن الدفاع عن المصالح الخاصة أصبح من أجندة السياسة الخارجية للجميع؛ وهو ما يجري على الصين الآن. فبعد إدخالها حقنة ليبرالية على اقتصادها بزعمها الانفتاح واشتراكية السوق، سمحت لأكثر من ستين ألف شركة الاستثمار في الصين والتصدير، ساهمت بجزء من الصادرات الصينية باستثمار ما يناهز في 2018 ما قدره 139 مليار دولار، بالرغم من أن الدولة الصينية لم تغض الطرف عن مراقبة التجارة الخارجية وتوجيهها.

في الدول الرأسمالية يتشكل الرأسمال المالي في كنف وفي ملكية طغمة مالية تهيمن على الاقتصاد بالتطابق مع حصتها، أما في الصين تقوم بهذا الدور شرائح دولتية غير مستقلة؛ تسخر الدولة كأداة بيدها؛ والسيطرة تعود في هذه الحالة إلى الحزب في الجانب الذي يتعلق بالتخطيط ووضع القرارات والمراقبة والتحكم في الرساميل الواردة وفي توجيه التجارة الخارجية. أما الفئة الثانية فتتكون من التكنقراط التي تعني بالتدبير وضبط التوازنات الماكرو-اقتصادية وتنظيم الموارد البشرية في الإنتاج والتوزيع. والفئتان مرتبطان، بحيث يشكل الحزب، الذي يضم ما يفوق 90 مليون منخرط، مدرسة لتخرج التكنوقراط. لذلك نجد أن تراكم الثورة تنتفع منها أولا الدولة رغم وجود تركم مالي خاص لعشرات من الأثرياء الرأسماليين، إلا أنها تبقى ضعيفة أمام قوة مال الدولة الصينية.

مدرسة جديدة لرأسمالية الدولة في القرن الواحد والعشرين، وضعت أسس النظام الرّأسمالي، غير أنها تحارب آثاره السلبية على الصعيد الاجتماعي، في تفاهم ضمني مع الخواص على أن يهتموا فقط بعائدات مشاريعهم على أن تتولى الدولة بتوجيه والتحكم في السياسة الاقتصادية. وبالرغم من أن التأميم وملكية الدولة في النظام الرأسمالي لا يعني اجتماعية وسائل الإنتاج، على غرار الأنظمة الشمولية كفاشية موسوليني، فالصين تبرر تصنيف نظامها "باشتراكيه السوق" كمرحلة انتقالية لا محيد عنها نحو الاشتراكية. لذلك ترتكز الصين الحالية على دعائم "رأسمالية الدولة (هو نظام يقوم ب) السيطرة على الدولة وبتوجيه التخطيط لمركزة فائض القيمة." ”Guy DHOQUOIS” Socialisme ou capital d’état “

5 ـ في قوة الاقتصاد الصيني انعكس النمو المتزايد لقوى الإنتاج على كل القطاعات الإنتاجية بالتقدم الهائل التكنولوجي والعلمي وبتصاعد براءة الاختراعات والاكتشافات وتدويل المعرفة وشبكات التواصل... في إطار عولمة النظام الاقتصادي الذي غطى جل أركان العالم. تولدت عنه اتفاقات ومعاهدات تعنى بالاقتصاد والجيوسياسية وبالمجال البيئي والعلمي؛ ودفعت بتشابك علاقات السوق ونشر مسلكيات يصعب على البلد الواحد الخروج منها.

وتعتبر الصين أن "العولمة، كاتجاه في عصرنا، بتأثيراتها الإيجابية و السلبية، أصبحت قانونا موضوعيا ومسارا حتميا لتنمية المجتمع الدولي." عن مجلة "الصين اليوم" عدد غشت 2019. وهي مستمرة في تعزيز ما أسمته انفتاح السوق وتشجيع الاستثمار مع حماية مصالح الشركات الأجنبية. كل المؤشرات تفيد باستفادة الصين من "رأسمالية الأطراف المعولمة"، دون إغفال تحسين الوضع المعاشي للمواطن/ن الصيني/ة، حيث تم القضاء على فقر 700 مليون نسمة في مدة 40 سنة، أي بمعدل 17.5 مليون نسمة في السنة. وقامت برفع الأجور وإقرار برنامج ضخم، بحجم 12,5% من إجمالي الناتج المحلي الصيني، يتضمّنُ حوافز لدفع النمو من خلال زيادة الاستهلاك الداخلي لتفادي الركود الذي أصاب الاقتصاد الرّأسمالي المُعَوْلَم في سنة2007، والمصادقة على 94 مشروعا بغلاف مالي يفوق 471 مليار يوان، وارتفع متوسط العمر للمرأة إلى 84,66 سنة في 2018، والرجل إلى 76 عامًا" عن مجلة" شباب بيكين" يوليوز 2019. انتقلت الصين من وضعية التخلف المطبوعة بالتقليد إلى طور الابتكار في قطاعات التعليم والبحث العلمي، وتخريج وفود بالملايين من الأطر العليا من مهندسين وتقنيين، وأصبحت الصين أكبر بلد صناعي وأول مصدر للسلع في العالم، مع ناتج إجمالي يفوق ناتج 154 دولة مجتمعة. وعملت على تطوير التكنولوجيا وتفوقت بدون منازع في مجالات الاتصالات، والحواسيب والتقنيات الدقيقة وميدان الفضاء، والهواتف المحمولة، وإدخال تقنيات الجيل الخامس في عدة ميادين، إضافة إلى تطويرها للأسلحة والصواريخ والطائرات، والأسطول الحربي البحري، كل هذا بقدرات صينية محضة.  باعتراف الأعداء قبل الأصدقاء، "تتمثل القوة الرئيسية للنظام السياسي الصيني في القدرة على اتخاذ قرارات هامة ومعقدة، بسرعة وبفعالية وجودة نادرة، خصوصًا في الجانب الاقتصادي، حيث تتكيف الصين بسرعة وتتخذ قرارات صعبة وتنفذها بفعالية…" فرنسيس فوكوياما. ولكن في ظل هذا الاقتصاد الرأسمالي المعولم، تعمقت الهوة بين سكان البوادي وسكان المدن، وبين المناطق الساحلية التي تتركز بها الصناعات، شرق البلاد، والمناطق البعيدة عن السواحل والموانئ، وبين القاطنين في المدن، ومئات الملايين من النّازحين، الذين يشكلون احتياطي هائل من اليد العاملة، ويعيشون محرومون من الحقوق الاجتماعية. ولتفادي انفجار الوضع، تلجأ السلطة بين الفينة والأخرى إلى تحفيزات مالية، كإرساء نظام يمكنهم من السكن والرعاية الصحية وتعليم أطفالهم، وإقرار معاشات لحوالي 240 مليون مواطن … صحيح أن الصين لها فائض احتياطي يسمح باقتراض تريليونات كثيرة لباقي العالم، فلها ما يفوق 19 بنكا عملاقة وتحتل المرتبة الأولى عالميا؛ ومع ذلك فلن تتمكن من بسط هيمنتها على اقتصاديات العالم خلافا لأمريكا التي توجد في الدرجة الثانية ب 11 من كبريات الأبناك؛ والسبب في ذلك لأن عملة أمريكا -الدولار -المتداولة في جل الأسواق العالمية جعلت من رأسمالها أن يكون عالميا مهيمنا. فالدولار كعملة وكبضاعة تبادل، أمريكا هي التي تحدد قيمته وحدها رغم نهاية اتفاقيات بريتين وودز؛ وكل صفقة تنجز بالدولار تجني أرباحا للإمبريالية الأمريكية أولا. ومن العوامل المدعمة للهيمنة الأمريكية كذلك، هو تغولها على أذرعها من إمبريالية غربية ويابانية في جل المنظمات الدولية التجارية والنقدية والسياسية والعسكرية.

6 ـ واقع الغزو الصيني للعالم اندمجت الصين في "اقتصاد الأطراف الرأسمالي"، وتبنت قواعده وأخدت على عاتقها "...توسيع نطاق الانفتاح، زيادة حجم الاستيراد بشكل مباشر، تحسين مناخ التجارة باستمرار، تنفيذ المعاملة المتساوية بصورة شاملة وتعزيز دفع التفاوض الاقتصادي بقوة كبيرة لتسريع تشكيل موقف جديد للانفتاح، وتحقيق التنمية العالية الجودة." من خطاب الرئيس الصيني شي غين بينك في قمة مجموعة العشرين بأوساكا. وانتقلت الصين من سن اقتصاد موجه للسوق الداخلية وللاكتفاء الذاتي، إلى غزو أسواق العالم عبر إنتاج السّلع والتجارة، بدل الغزو العسكري، أي في خط مُعاكس لسياسات الولايات المتحدة، ظاهريًّا على الأقل طالما أن الجيش الصين لم يخُضْ حربًا خارجية، منذ حوالي ثلاثة عقود (منذ المناوشات العسكرية مع فيتنام، سنة 1979) … ولأن الصين لا تنتج سوى حوالي 5% من النفط، غير كاف لأول بلد مصنع في العالم، ولسد نقصها هذا تعتمد على التصدير بأبخس الأسعار نظرا للاستغلال الفاحش لليد العاملة الصينية، على القروض مقابل استغلال حقول الطاقة، بالإضافة إلى مبادرة “الحزام والطريق”، التي تهدف فك الطوق الأمريكي (العسكري والاقتصادي) الذي بدأ خلال فترة رئاسة بارك أوباما، سنة 2012، وعقدت حكومة الصين، بين 2013 و2018 اتفاقيات مع 72 دولة، وتمثل هذه الدول حوالي 65% من سكان العالم، من بينها 18 دولة من العالم العربي. كما التجأت للحد من هذه الهيمنة إلى تحقيق التوازنات التجارية والاقتصادية بتقوية نجاعة علاقاتها التجارية والتكتلات التي تتواجد بها كمجموعة البريكس، ودول أسيا وأمريكا اللاتينية، والدول الإفريقية... تميزت الصين "بسخاء" ملحوظ في الاقتراض الخارجي، وساهمت في تطوير البنية التحتية عن طريق ذلك في 71 بلد. ولكن في الآونة الأخيرة "من الصعب (عليها) تلبية الاحتياجات الاستثمارية للدول على طول "حزام والطريق" في تطوير البنية التحتية (...). لذلك من الأهمية بمكان جذب مشاركة رؤوس الأموال الدولية الخاصة. الشيء الذي ينتظر القارة الإفريقية رغم الإعلان عن حسن النوايا التي حددها مؤخرا الرئيس الصيني بتكثيف التعاون وفي تنمية بالنجاح المشترك وأخيرا في التعاون والانفتاح. وهي المناسبة التي يذكر بها قادة الصين أن بلدهم لا زال مخلصا لمبادئ الخط الثالث بالتحاقها بمجموعة مناظرة بون دونغ في 1955تحت يافطة دول عدم الانحياز.

7 ـ إنجازات تجلب المتاعب

في الظاهر تبدو العلاقات ا لأمريكية-الصينية متينة تشمل التبادل التجاري الذي قد يصل إلى700 مليار من الاستثمار المالي وتغطي الصين سبعين بالمائة من القروض الأمريكية، والمجال الثقافي حيث يدرس350 ألف طالب صيني في الولايات المتحدة بالإضافة لقطاعات أخرى تكنولوجية وسياحية. إلا أن الآونة الأخيرة عرفت احتداد الصراع التجاري بين الصين والولايات المتحد الأمريكية ليأخذ أبعادا تهدد النظام الرأسمالي العالمي القائم.

بمصادقته على زيادة في الميزانية العسكرية الأمريكية لتصل إلى 650 مليار دولارا قد يكون الكونغرس الأمريكي أعلن المواجهة المفتوحة ضد الصين على كافة الأصعدة خاصة التجاري منها والعسكري. علما كما تمت الإشارة لذلك أعلاه أن الإمبريالية الأمريكية تتوفر على ثلاثين قاعدة عسكرية حول الصين، منها 60% من قواتها البحرية، وتتكون من حاملات الطائرات وجميع أشكال الأسلحة والصواريخ. وهو ما أجبر الصين على تكثيف قواتها على حدودها البحرية.

فهل الحرب تقرع طبولها؟ لا شك أن قوة عسكرية مدججة بأفتك الأسلحة وتعد بمليوني جندي بميزانية ضخمة من حجم170 مليار دولار في 2018 (77 مليارا عام سنة2007) تحسب لها الإمبريالية الأمريكية ألف حساب يشهد على ذلك ما يلي: نشر البنتاغون لأول مرة في2019 تقريرا مفصلا عن القدرات العسكرية واللوجستية والاستخباراتية للصين،  عقد ما قيمته2,2 مليار دولار صفقة بيع أسلحة لتايوان، تشمل دبابات وصواريخ مضادة للطائرات. ارتأت الصين في قرار الولايات المتحدة نشر صواريخ برية متوسطة المدى في جنوب آسيا تهديدا مباشرا لأمنها الداخلي. اعتبرت الصين تهديدا مكشوفا تقرير استراتيجية الجيش الأمريكي في منتصف2018، الذي يشير فيه البنتاغون بوضوح إلى الصين على أنها "منافس استراتيجي يسعى لتحديث قواته المسلحة لضمان سيطرته الإقليمية على المحيط الهادي وجنوب آسيا ومقارعة نفوذ الولايات المتحدة العالمي". سارعت الصين تأمين حدودها على بحر جنوب الصين وتكثيف المناورات العسكرية مع روسيا وتطوير قاعدتها العسكرية بجيبوتي بالبحر الأحمر

خاتمة من المخاطر التي ستؤدي إلى انزلاق الصين ذات الدولة الرأسمالية اليوم تكمن في تكريس الانقسام الطبقي وبروز قطاع اقتصادي خاص قوي، تهيمن بورجوازية صينية ناشئة وترويض الحزب على مقاص الجشع الامبريالي بفتح رؤوس أموال الدولة للخواص وترسيخ قواعد الاستغلال الرأسمالي للطبقة العاملة مع التخلي كليا عن الحقوق الاجتماعية للمواطن/ن الصيني/ة وتعميق الفجوة الطبقية داخل المجتمع.

ومهما يحاول الحزب الشيوعي تبرير استراتيجيته، إلا أن في ظل رأسمالية الأطراف/الأقطاب الحالية تسقط نظرية فك الارتباط الاقتصادي بين رأسمالية الدولة في الصين وباقي العالم الرأسمالي. هذا الواقع يهدد بتفكيك القطاعات العمومية والمؤسسات الاشتراكية المتبقية كالتعاونيات الفلاحية، إذا ما استمر الرأسمال الخاص في التوسع.

و يبقى عامل فقدان الثقة في الصين من طرف الإمبريالية العالمية والضغوطات الممارسة عليها معطى مساعد لمراجعة سياستها، ولا أدل على ذلك القيود المفروضة على بضائعها و الدعوات المسجلة أمام المنظمة العالمية للتجارة، لإخفاء المنافسة العدائية للصين قد تدفعها لتصحيح مسارها الاقتصادي لفائدة نمط الإنتاج الاشتراكي.

إذا كانت الصين قد استفادت من تجربة انجرار الاتحاد السوفياتي وراء سباق التسلح العسكري، مفضلة الانخراط فيه عن طريق تطوير تكنولوجيتها وابتكارها العلمي في التسلح العسكري ورفع مبيعاتها إلى 5%، فهذا لا يستبعد خطر الحرب من أجل مصالحها سواء لاسترجاع ديونها أو حول هون كونغ أو مباشرة مع الإمبريالية الأمريكية وذرعيها الغربية واليابانية.

هذا دون إغفال محاور أخرى في الصراع المفتوح على المستقبل كتقنية الجيل الخامس، والسيطرة على احتياطي المعادن النادرة، وسن العملة الرقمية. ويعتبر محور الصراع حول المعادن الأكثر اهتماما، إذ أن للصين تملك ثلث الاحتياطي العالمي ولوحت ما مرة في إطار الصراع التجاري الحالي وقف مبيعاتها للولايات المتحدة والتي تغطي 80% من حاجياتها. "إذن في ظل نظام رأسمالي بغلاف اشتراكي تقدم الصين اليوم للعالم نفسها، لتقول إن اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية حتى وإن كانت بحجم الخلاف الرأسمالي الاشتراكي" عبد الله آدم في مقالة عنونها [رأسمالية بغلاف اشتراكي].

إنها الانتهازية التي يمهلها هدوء البركان، إذا لم تتبلور قناعة بالمخاطر التي تهددها كي لا تغدو امبريالية، وهو ما لم يحصل إلا إذا أخدت البروليتاريا موقع القرار في الحزب الشيوعي.

يوليوز 2020